الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
33
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
على عقاب اللّه وكان اسمه يومئذ عزازيل لعزه بالطاعة فعبد اللّه زمانا وبالغ حتى أعجب ذلك ملائكة السماء الدنيا فسألوا اللّه أن يرفعه إليهم ليفرحوا برؤيته ففرح المطيعين بالمطيعين وانس المحبين بالمحبين وقالوا طاعات جميع الأرض لو قوبلت بطاعة واحد من أهل السماء الدنيا لرجح عمل ذلك الواحد على عمل هؤلاء وطاعات أهل السماء الدنيا وأهل الأرض لو قوبلت بطاعة واحد من ملائكة السماء الثانية لرجح ذلك على عمل هؤلاء وكذلك كل سماء على هذا الاعتبار إلى العرش ثم هم يسرّون بعمل أهل الأرض ويتقرّبون إليهم فرفعه اللّه إلى السماء الدنيا فاجتهد فيهم وزاد في الجهد فنظر إليه أهل السماء الثانية فأعجبهم فسألوا ما سأل أهل سماء الدنيا ثم كذلك إلى أن رفعه اللّه إلى العرش واختلط بحملة العرش والطائفين حوله واجتهد حتى أكرم بخزانة العرش ودفع إليه مفتاحها فكان يطوف حول السماوات ومعه مفتاح الجنة وكانوا يتقرّبون إليه ويتنادون فيما بينهم يا خازن الجنة ومقدّم أهل العبادة فلا اغترار بالبرّ فتحت كل برّ شرّ ولا اعتماد بالطاعة ففي كل طاعة آفة * وفي رواية أخرى لهذه القصة قال أبىّ بن كعب وجدت في التوراة ان الجنّ بنى الجان كانوا قبيلة من الملائكة أنزلهم اللّه تعالى الأرض وركب فهم الشهوة فتناسلوا وكثروا فصاروا سبعين ألف قبيلة كل قبيلة سبعون ألف كردوس كل كردوس سبعون ألف نفس كلهم كانوا مطيعين مصلحين حتى مضى على ذلك زمان فاتفق أن واحدا منهم مرّ بأرض نبت فيها نبات رائق فأعجبه ثم مرّ به بعد أيام فإذا هو قد طال ثم مرّ به بعد زمان فإذا هو قد أورق ثم مرّ به بعد زمان فإذا له عناقيد وهو زرحون أعناب وقد أينع فتناوله فإذا هو حلو فعصره وشرب من عصيره وجعل ما بقي في ظرف فأوكأه ثم طلبه بعد زمان فإذا هو قد اشتدّ ورمى بالزبد وسكن وصار مسكرا فتناول شيئا منه فأخذته الحميا فزاد حتى سكر وبسط ثم غلبه السكر فوقع فلما صحا أخبر أصحابه بذلك فذهبوا إلى تلك الزراجين وأخذوا تلك العناقيد واعتصروا واتخذوا الخمور وشربوا واعتادوا ذلك حتى كثر فيهم السكر ووقعوا بذلك في الزنا واللواط والقتل وسائر المحرّمات وأفضى بهم ذلك إلى الكفر وكان ذلك كله بسبب الخمر ولقد صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخمر أمّ الخبائث وكان فيهم الحارث وهو اسم إبليس في الابتداء وقيل كان اسمه عزازيل فاعتزل هو وألف نفس معه عنهم واجتمعوا في موضع يعبدون اللّه وكثر فساد أولئك حتى شكت الأرض إلى اللّه منهم وسألت اهلاكهم فقال اللّه أنا حليم ولا أعاجلهم بالعقوبة حتى ألزمهم الحجة وانما يعجل بالعقوبة من يخاف الفوت واللّه تعالى يمهل ولا يهمل وإذا أخذ فأخذه شديد وأمر اللّه تعالى عزازيل أن يرسل إليهم واحدا منهم ممن معه يدعوهم إلى الايمان وترك العصيان فأرسل إليهم سهلوت بن بلاهت فأتاهم وإلى الاسلام دعاهم فعصوه وقتلوه فلم يزل يرسل واحدا بعد واحد من الألف وهم يقتلون حتى أرسل آخرهم وهو يوسف بن يأسف فقاسى منهم الشدّة في طويل مدّة يدعوهم ويؤذونه ويداريهم ويخوّفونه حتى أغلوا دهنا في مرجل وألقوه فيه حتى هلك ولم يسلم أحد منهم ثم شكت الأرض إلى ربها وقالت نال عنادهم النهاية وبلغوا الغاية فاستحقوا العقاب واستوجبوا الاذهاب فبعث اللّه تعالى كردوسا من الملائكة بيد كل واحد منهم سيف أو حربة وكان يخرج من أفواههم النيران وأمّر عليهم الحارث فجاءوهم وقاتلوهم وكان الجنّ أولى قوّة وبأس شديد فقاتلوهم واشتدّ الحرب والطعن والضرب بينهم ثم ظفر الملائكة بهم وهزموهم إلى المغرب وأرسل اللّه تعالى نارا فأحرقتهم وريحا فأذرتهم وإلى البحار فألقتهم هذا جزاء الكفر والكفران وعاقبة الذنب والطغيان * وفي معالم التنزيل ان اللّه خلق السماوات والأرض وخلق الملائكة والجنّ فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن في الأرض ويقال لهم بنو الجان فعبدوا اللّه دهرا طويلا في الأرض * وفي بحر العلوم